عمر فروخ
278
تاريخ الأدب العربي
قولهم : الفضل للمتقدّم ! فكم دفن من إحسان وأخمل من فلان « 1 » . ولو اقتصر المتأخّرون على كتب المتقدّمين لضاع علم كثير وذهب أدب غزير . وقد أودعت هذا الديوان الذي سمّيته بكتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة من عجائب علمهم وغرائب نظمهم ونثرهم ما هو أحلى من مناجاة الأحبّة . . . . . . ولعلّ بعض من يتصفّحه سيقول إنّي أغفلت كثيرا وذكرت خاملا وتركت مشهورا . وعلى رسله « 2 » ! فإنّي جمعته ، بين صعب قد ذلّ وغرب قد فلّ ونشاط قد قلّ وشباب ودّع فاستقلّ « 3 » ، من تفاريق كالقرون الخالية وتعاليق كالأطلال البالية بخطوط جهّال كخطوط الراح أو مدارج النّمل بين مهابّ الرياح « 4 » : ضبطهم تصحيف ، ووضعهم تبديل وتحريف ، أيأس الناس منها طالبها وأشدّهم استرابة بها كاتبها « 5 » . ففتحت أنا أقفالها وفضضت قيودها وأغلالها فأضحت غايات تبيين وبيان ووضحت آيات حسن وإحسان « 6 » . على أنّ عامّة من ذكرته في هذا الديوان لم أجد له أخبارا موضوعة ولا أشعارا مجموعة تفسح لي في طريق الاختيار منها ؛ إنّما انتقدت ما وجدت وخالست في ذلك الخمول « 7 » ومارست هنالك البحث الطويل والزمان المستحيل حتّى ضمّنت كتابي
--> ( 1 ) فكم دفن . . . الخ : أضاع أدبا جيّدا كثيرا وأخمل ذكر أناس كثيرين . ( 2 ) على رسله : ليتمهّل قليلا ، ليخفّف من حميّة نقده . ( 3 ) الصعب : الجمل النشيط الذي لا يدع أحدا يركبه . ذلّ : ذلّل ، روّض ( بالبناء للمجهول فيهما ) - أصبح ذليلا طائعا . الغرب : حدّ السيف . فلّ : تثلّم ، أصبح لا يقطع . استقل : ذهب ( يقصد بعد أن كبر في السن وذهب معظم قوّته ونشاطه ) . ( 4 ) تفاريق ( أشياء متفرّقة ) كالقرون الخالية ( متباعدة ، منسيّة ) وتعاليق ( إضافات مكتوبة على الصفحات ) كالأطلال ( أثر الديار بعد رحيل ساكنيها عنها ) البالية ( المتهرّئة ، الممحوّة ) . كخطوط الراح ( جمع راحة : باطن الكفّ - رموز لا تقرأ ) . مدارج : آثار المسير . ( كلّ هذا كناية على أن الخطّ سقيم تصعب قراءته ) . ( 5 ) تصحيف : تبديل حروف الكلمة ( جهلا ) . تحريف : تغيير الشيء ( قصدا ) . استرابة : شكّ . ( حتّى الذي كتبها لا يستطيع قراءتها ) . ( 6 ) فضّ : كسر ، شقّ ، فتح . وضحت : ظهرت . آيات : عجائب ، غرائب . ( 7 ) خالست الخمول : انتزعت أشخاصا من طيّات الخمول وأبرزتهم .